آراء ودراسات

هذه المرة في عفرين المجرم ليس البعث

ماهر حسن

بقلم: ماهر حسن

ما تعاني منه عفرين الكوردستانية غيض من فيض من ويلات ومآسي بعد اجتياحها من قبل تركيا التي تربطها اتفاقيات ووعود بفصائل تعمل تحت إمرتها تحثها وتحفزها إلى التفكير بارتكاب جرائم ومجازر بحق سكانها العزل كلما حاولت سوريا التقاط أنفاسها وذلك بإعادة تدوير الثورة التي بدأت تتضاءل جذوة نيرانها يوماً بعد يوم والتي لم تستند إلى قاعدة رصينة يومً لأنها لا ولم تستند لمفهوم الشراكة الحقيقية بين جميع مكونات الشعب السوري، و هذا ما دفع في نهاية المطاف إلى تجردها من مفهومها كلياً، وإلى ما ينذر بإعادة إنتاج الظروف التي أخرجت داعش إظهار فصائل إرهابية لا تقل وحشية عن داعش. لسنا بحاجة إلى الحديث عن جغرافية عفرين وموقعها بالنسبة إلى المنطقة و ما تملكها من ثروات من ( آثار ، أشجار ، مياه… الخ )، و لكن ما يقشعر له البدن تعرضها لأبشع أنواع الانتهاكات البعيدة كل البعد عن القيم الإنسانية ونزوح الآلاف من سكانها من الأطفال و النساء و الشيوخ على يد فصائل لم تكتف بالوحشية و القمع و إنما تجاوزهما الى التجرد من كل القيم الإنسانية و الأخلاقية على مرأى و مسمع العالم وإزاء صمت دولي و إسلامي غداة ارتكاب جرائم بغية إهلاك شعب على أرضه و إخضاعه عمداً لظروف معيشية قاسية وإلحاق الأذى بهم .

خلال الشهر الفضيل حين كانت الأكف مع القلوب رافعة بالدعاء والرجاء أن يزيل الله عنهم الغمة و يفرج عنهم الكرب وشر الحرب، حين كانت الأكف باحثة في السماء عن الرحمة و الشفقة والعطف تُرتَكب جريمة هزت ضمير الصغير قبل الكبير  يُقتل المسنون من الرجال والنساء الذين تجاوزوا الثمانين من عمرهم وتُترك جثثهم متلاصقة مع الأرض في عفرين الباحثة عن الأمان أمام أبنائهم قليلي الحيلة وأمام تساقط الموت على رؤوسهم. نعم، تخرج من  كوردستان سوريا من عفرين إلى كرى سبى وسرى كانيه كل يوم عشرات الصور والمشاهد والشواهد والمخيفة والمؤلمة تستهدف الإنسانية وتترك جرحاً عميقاً آخر في ذاكرة الكورد. والآن أكتب هذه السطور وترتعش يدي لتدوين وتخليد ما يجري، وتعريف العالم بظلم ووحشية هذه الفصائل الظالمة وسيئة الصيت والتي يفوق  إجرامها حدود العقل والمنطق البشري مستغلين فسحة الحرية التي لم يرض الكورد لنفسهم أن يكونوا مروجين و لا مجاملين لإجرام هذه الفصائل الفاشية ومدح مناقبهم و مفاتنهم البشعة والبذيئة والدنيئة، ما قد يحيلنا الى النقطة التي طالما حذرنا منها في بداية الثورة  وهي تتغلغل في فكر الطائفية و استمرار الترويج له بهتك المدن والقرى التي تقع ضمن جغرافية كوردستان سوريا وإن كان ظاهراً حيناً كما يحدث في عفرين وسرى كانيه وكرى سبي وخافياً أحياناً أخرى كما يظهر بين الحين والآخر من الائتلاف السوري المعارض من بعض السياسيين الذين يتفوهون بأقذر الكلمات دون أن يحاسبوا على ذلك أو يبعدوا عن منصبهم .

تنوعت جرائم الفصائل الموالية لتركيا في المناطق الكوردية من عفرين إلى سرى كانيه  بين التعذيب و التنكيل والإخفاء القسري وقتل مدنيين بما فيهم شيوخ و نساء وأسرى تحت التعذيب، ونهب الممتلكات والمحاصيل الزراعية قبل حرق ونسف آلاف المنازل والمحال فيها ومنع النازحين من العودة إلى مدنهم وقراهم بهدف تغيير التركيبة السكانية والديمغرافية لعفرين و غيرها من المدن و القرى الواقعة بيد هذه الفصائل مع استمرار الفلتان الأمني في المناطق التي اجتيحت من قبل جندرما تركيا وتصاعد الدور العسكري لفصائل المعارضة واستمرار المرتزقة في ارتكاب جرائم وحشية بحق العزل. على الرغم من ذلك نجد احتجاجات من بعض المعارضين كأمثال الممثل السوري عبد الحكيم القطيفان كرد فعل على قوات قسد، أي بصورة أدق من حق الفصائل معاقبة المدنيين دون أي مبرر من خلال ما كتبه في إبعاد تهمة الطائفية عن الفصائل عبر الحديث على أن الذين ارتكبوا هذه التفجيرات في عفرين هم الكورد نفسهم  محاولًا استغباء الناس وكأنه لا يعلم لم و لا يجتهد مجرم ما على وجه الارض و في اي وقت مضى  في قتل أهله و هتك هويته وحين لاقى ردود استنكار كثيرة قام بحذف منشوره على صفحته بالفيسبوك والذي كتب فيه ( مجزرة مروعة راح ضحيتها أكثر من 60 إنسان بريء من أهلها و عشرات جرحى حتى اللحظة. ابحثوا فقط عن أصابع مافيا التوحش الأسدي  وقوى الإرهاب الكردية و عملائهم المرتزقة في عفرين ) مع تزايد تلك الهجمات الوحشية ضد المدنيين يزداد صمت المعارضين الذين يقفون مكتوفي الأيدي و متفرجين أمام تلك الجرائم البشعة، ولم تتخذ أي موقف من قبلهم تجاه تلك الفظائع إلى الآن، وتنتشر الصور والفيديوهات التي توثق ويلات فظيعة وعمليات تعذيب وقتل واعتقال على أساس طائفي التي تقوم بها الفصائل في الوقت الذي تأملنا فيه خيراً بتحريرها  من براثن وظلم عصابات البعث.

لا بد لنا من العودة بالذاكرة إلى تاريخ وقوانين تنص على كف الأذى وحماية المدنين ولاسيما أثناء الحروب و العمليات العسكرية و استشرت كثيراً من الأصدقاء المحامين وجهودهم مشكورة، واستفسرت عن هذه القوانين  والإتفاقيات، واتضح لي أنه من أوائل من اعتمد على هذه القواعد والبنود لحماية المدنيين كانت الأمم المتحدة في العام 1948 بغية منع الجريمة و الإبادة الجماعية وحددت العقوبة المفروضة على مرتكبيها، وقد وقعت الاتفاقية من قبل الدول الأطراف، ودخلت حيز التطبيق عام 1951 وكما ورد أيضًا في المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين و التي عقدت سنة 1949 بمنع الهجمات العشوائية التي تنتهك حقوق المدنيين وتعرضهم إلى مخاطر جسدية أو في ممتلكاتهم  كما جاء في الفقرة الأولى من المادة (57) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف المعقودة في سنة 1977  معتبراً الأعمال العدائية العسكرية انتهاكًا خطيراً  لاتفاقية جنيف الرابعة والخ. حين يتمعن المرء بهذه المادة أو بالأخرى ويقرأ تفاصيلها لا شك سيسرح بخياله بعيداً ويطوف بها كقشة خفيفة تجرفها أمطار وتراوده أفكار أن كرامة الإنسان مصونة ومحفوظة حسب ميثاق وقوانين دولية ولكن لا بد هنا من طرح سؤال هل تنص هذه الاتفاقيات على حماية الكورد أيضاً؟ إذا كان الجواب نعم، فلماذا لا يحاسب مجرمون يقتلون بدم بارد مدنيين كورد لسلب ونهب وسرقة ممتلكاتهم  وخطفهم واعتقالهم لدفع جزية مالية مقدارها لا يقل عن عشرة آلاف دولار أمريكي؟ و اذا كان الجواب لا، ماذا يمكن لنا حيال عقل مجرمين تلطخت أياديهم بأشنع وأقذر الجرائم؟ الكلمات ولا الكتابة لا تفيان بشرح ألم وخوف يراودان نفس الكبير قبل الصغير،  وإن على نحو جزئي، فالمرتزقة سخروا من اضطر تحت وطأة حرب مستمرة لعشرة أعوام وتحذقوا في لغة الإجرام ودون خجل ونشهد اليوم نمطاً جديداً من الظلم والاستهانة بحياة وكرامة الكورد وتبين ذلك من خلال طموحها في طمس الهوية الكوردية لا كما يدعون بأنهم يسعود إلى دثر وإسقاط النظام في دمشق .

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر وكالة الأنباء الكوردية.