آراء ودراسات كل الأخبار

عبد الحليم البعث وخدام النظام

بقلم: رفيق خوري

حياة عبد الحليم خدام كانت صفحة مع هوامش ذاتية في كتاب البعث والنظام. ورحيله كمنشق بنوبة قلبية في منفاه الباريسي عن 88 سنة يكمل صفحته كواحد من المحظوظين، خلافاً لعدد من أساتذته ورفاقه في حزب البعث العربي الاشتراكي والنظام. فلا هو اغتيل بالرصاص في المنفى الباريسي، مثل شريك ميشال عفلق في تأسيس البعث ورئيس الوزراء صلاح الدين البيطار. ولا هو قضى خلال سجن طويل من دون محاكمة مثل نائب الأمين العام للحزب رئيس الأركان السابق صلاح جديد والرئيس الدكتور نور الدين الأتاسي ورئيس الوزراء الدكتور يوسف زعين. ولا كان مصيره مثل مصير وزير الدفاع اللواء محمد عمران، الذي اغتيل في طرابلس شمال لبنان. ولا جرى إعدامه بلا محاكمة مثل العقيد عبد الكريم الجندي والرائد سليم حاطوم.

والقراءة في قصة خدام تبقى ناقصة من دون القراءة في قصة النظام في كل المراحل. وهو نظام بُني على مبادئ البعث القومية وأفكار مرحلة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، وأقيم بانقلاب في دمشق سبقه بشهر عام 1963 انقلاب للحزب ذاته في بغداد، في مرحلة انقلابات عسكرية عربية سُمّي بعضها ثورات. كان النظام السوفياتي هو النموذج في الحكم والاشتراكية هي الموجة المرتفعة.

عوامل النظامين العراقي والسوري والظروف حولهما تبدّلت، لكنهما لم يتغيّرا. نظام البعث في بغداد سقط بانقلاب عسكري ثم استعاد السلطة بانقلاب آخر، ولم يسقط إلّا عام 2003 بالغزو الأميركي. نظام البعث في دمشق كاد يسقط بانتفاضة شعبية تحوّلت حرباً لولا الدعم العسكري الإيراني والروسي. والمفارقة أن النظامين القائمين على الدعوة إلى وحدة الأمة العربية فشلا، لا فقط في توحيد البلدين، بل أيضاً في تخفيف العداء بينهما.

بين عامي 1963 و1970، شهد النظام السوري صراعات وتصفيات، معظمها بطابع عسكري. كان هناك نوع من “التعدّدية” في نظام شمولي. في المرحلة الأولى، كان الحكام الفعليون، بصرف النظر عَمّن في الواجهة، ثلاثة: محمد عمران، صلاح جديد وحافظ الأسد. عام 1966، اتفق جديد والأسد، فطار عمران. وحين كبرت خلافاتهما طار جديد، وتفرّد الأسد بالسلطة عام 1970. وهكذا، صار “الحزب القائد للدولة والمجتمع” الرئيس القائد والبقية من المعاونين على اختلاف المراتب. كان أقرب الرفاق العسكريين والزملاء إلى الرئيس حافظ الأسد وزير الدفاع العماد مصطفى طلاس ورئيس الأركان العماد حكمت الشهابي. والأقرب بين المدنيين كان عبد الحليم خدام، ابن بانياس جارة القرداحة مسقط رأس الأسد، الذي بدأ محافظاً لحماة ثم القنيطرة ثم دمشق، فوزير الاقتصاد. وهكذا عيّن الأسد خدام وزيراً للخارجية ثم نائباً للرئيس.

كان “أبو جمال”، كما يعرفه الجميع في لبنان، يمسك مع حكمت الشهابي، تحت إشراف الرئيس، بالملف اللبناني والفلسطيني والعراقي. لكنه لم يكن، خلافاً للشائع، خارج اللعبة الداخلية في سوريا. وفي كل الأحوال لم يكن المقرّر، بل صاحب تأثير في القرار الذي يتّخذه الأسد في النهاية. كان مكتبه “محجة” للسياسيين في لبنان من رؤساء ووزراء ونواب وطامحين للرئاسة والوزارة والنيابة. كان مستودع أسرار لا يتردّد أحياناً عن استعمالها بصراحة. في مكتبه، باب لغرفة تحوي خزائن من الوثائق التي يلجأ إليها كلّما أراد التأثير في زائر. وهو كان “المصفاة” للبحث مع كل من سيقابل الأسد، ثم “المماحك” في تفاصيل ما جرى التفاهم عليه بالخطوط العريضة مع الرئيس. وبالطبع أو بالتطبّع، لعب خدام دور الوجه السياسي القاسي للنظام. قال لأصدقائه غير مرة إنه ملّ من اللبنانيين. هاجم ياسر عرفات بعنف في اجتماع عربي. فقال له عرفات إنك “تهين ممثل الشعب الفلسطيني”. فردّ عليه بالقول “أنت لست ممثل الشعب الفلسطيني، بل ممثل عليه”.

حين أعدم صدام حسين عدداً من رفاقه بدعوى أنهم تآمروا ضده مع سوريا عبر ملحق عسكري سوري في بغداد طوله 180 سنتمتراً، قال خدام وهو قصير القامة لصديق له “أولاً ليس لدينا ملحق عسكري في بغداد. ثانياً، لو كان هناك ملحق بهذا الطول لقطعت رأسه”.

بعد رحيل حافظ الأسد عام 2000، صار خدام بحكم الدستور الرئيس المؤقت، ولكن مع وقف التنفيذ، باستثناء المراسيم التي هيّأت انتقال الرئاسة إلى الدكتور بشار. وخلال العزاء، قال خدام لصديق لبناني من المعزين “لدينا فرصة لتطوير الحزب وفتح النظام”. لكنّ تفاؤله لم يكن في محله، على افتراض أن التغيير الديمقراطي ممكن في نظام شمولي. فهو وجد نفسه، بقوة النظام، يهاجم “ربيع دمشق” المطالب بالانفتاح. ثم لم يجد بداً من الاستقالة والذهاب إلى المنفى في باريس بعد المرور ببيروت. بيروت التي تذكّره أوّلاً بأيام “عزّه”، وثانياً باليوم الذي هرب فيه كمحافظ من القنيطرة في حرب 1967 إلى لبنان الجنوبي واهتم ضابط لبناني في الاستخبارات بتأمين حاجاته ونقله إلى دمشق. والعبرة سبقته: أركان البعث العربي الاشتراكي الثلاثة في سوريا رحلوا خارجها. صلاح البيطار بالرصاص في باريس، ميشال عفلق مات في بغداد، وأكرم الحوراني مات في عمان. والمعادلة من موسكو إلى بغداد ودمشق واحدة: مبادئ الحزب شيء، ولعبة السلطة شيء آخر.

نقلاً عن إندبندنت عربية