آراء ودراسات

ضربتان على رأس الأميركيين

بقلم: روبرت فورد

شهدت جميع الولايات الأميركية الخمسين مظاهرات الأسبوع الماضي.

والواضح أن انتخاب باراك أوباما رئيساً للبلاد عام 2008 لم يحل مشكلة العنصرية التي تعانيها الولايات المتحدة، ومن الواضح كذلك أنه يجب علينا إصلاح مؤسسات حكومية مثل الشرطة، وإن كان تغيير مشاعر المواطنين إزاءها سيستغرق وقتاً طويلاً.

في الوقت ذاته، لا يزال لدينا فيروس «كورونا» الذي قضى على أكثر من 110 آلاف أميركي، ما يتجاوز بكثير عدد من سقطوا قتلى بسبب الإرهاب، وضعف عدد الجنود الذين قتلوا في الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في فيتنام والعراق وأفغانستان.

ورغم أن قواتنا الأمنية تحظى بمعدات وإمدادات ممتازة، تعاني مستشفياتنا وأطباؤنا وممرضونا من نقص في الاحتياجات. ومن المهم للغاية أيضاً الانتباه إلى أن مجتمعات أصحاب البشرة الداكنة عانوا خسائر أكبر؛ لأن أوضاعهم الصحية كانت أسوأ حالاً عندما ضرب الفيروس البلاد.

في الوقت ذاته، فقد 40 مليون أميركي وظائفهم في خضم الأزمة الاقتصادية الراهنة، وتوقع مكتب الموازنة التابع للكونغرس والذي تحظى تقاريره باحترام واسع، الأسبوع الماضي، انكماش إجمالي الناتج الداخلي الأميركي بمعدل 38 في المائة خلال الفترة ربع السنوية من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران) 2020.

اليوم، بدأت بعض الولايات الأميركية واقتصاداتها إعادة فتح أبوابها، وتأمل سوق الأسهم الأميركية في أن يتمكن الاقتصاد الأميركي من القفز سريعاً والعود إلى سابق رخائه. ومع هذا، يتوقع غالبية الخبراء الاقتصاديين أن الاقتصاد لن يتعافى إلى كامل قوته حتى سنوات كثيرة قادمة.

وينبغي لنا أن نتذكر أن المجتمعات داكنة البشرة تعاني بدرجة أكبر من البطالة؛ خصوصاً بعد تفشي الفيروس. وتجتمع مشكلتا العنصرية والفيروس لتخلقا وضعاً مريعاً أمام مجتمعنا.

الملاحظ، أن الأوجاع الاقتصادية بمختلف أرجاء الولايات المتحدة كان لها دورها في التعجيل بإعادة فتح المدن والاقتصاد. ويأتي ذلك في وقت لا يجري فيه دوماً الالتزام بالتباعد الاجتماعي، ولا يرتدي كثير من المواطنين أقنعة الوجه. (في كثير من المناطق تحولت الأقنعة إلى رسالة سياسية، فبينما يرتدي الديمقراطيون الأقنعة، فإن الجمهوريين لا يرتدونها) إضافة إلى ذلك، ليس هناك تباعد اجتماعي في المظاهرات التي تجوب الشوارع الكبرى. ويتوقع خبراء طبيون أن يعود الفيروس ليضرب بشراسة أواخر الصيف أو أوائل الخريف.

ويعني ذلك أن عودة الفيروس ستكون قبيل انعقاد الانتخابات الرئاسية الأميركية. ورغم أنه لا يزال من المبكر للغاية القول بمن سيفوز في هذه الانتخابات، فإنه بمقدورنا من الآن التعرف على إطار عمل السياسات الخارجية الأميركية المستقبلية. وتكشف استطلاعات رأي من عام 2019 أن 52 في المائة من الأميركيين يرغبون من الحكومة التركيز على تسوية المشكلات الداخلية، بدلاً من محاولة حل مشكلات خارجية. وأبدى 68 في المائة رغبتهم في توجيه الحكومة مزيداً من الاستثمارات إلى بناء أميركا، بدلاً من مزيد من الإنفاق العسكري. ومن المتوقع أن يزيد الفيروس والأزمة الاقتصادية والمظاهرات التي اشتعلت في الأيام الأخيرة من هذه الميول والنزعات.

وأظهر استطلاع رأي أجراه معهد «بيو للأبحاث» في أبريل 2020، أن المواطنين الأميركيين يعتقدون أن التهديد الأكبر للأمن الأميركي ليس الإرهاب ولا الصين ولا روسيا، وإنما الخوف الأكبر لدى غالبية الأميركيين هو خوفهم من تفشي الوباء.

ومع إنفاق واشنطن المزيد على البنية التحتية الصحية الداخلية، والمساعدات الاقتصادية لضحايا الأزمة الاقتصادية التي سببها الفيروس، ستنخفض الأموال المخصصة للمؤسسة العسكرية الأميركية.

من جانبه، قال رئيس لجنة شؤون الدفاع التابعة لمجلس النواب، آدم سميث، في أبريل، إن أولويته ليست شراء مزيد من الطائرات والسفن لحساب «البنتاغون». ويبدو هذا أمراً لافتاً للانتباه؛ لأن سميث يمثل ولاية واشنطن؛ حيث تعتبر «بوينغ» واحدة من أكبر الشركات العسكرية بها.

من ناحية أخرى، سيشكل المواطنون الأميركيون أصحاب البشرة الداكنة أهمية حيوية لبايدن، من أجل ضمان فوزه في نوفمبر (تشرين الثاني)، وإذا فاز سيصرون على توجيه بايدن مساعدات ضخمة لضواحيهم، مع تقليص الأموال الموجهة للمؤسسة العسكرية الأميركية. بجانب ذلك، تشير استطلاعات الرأي إلى أن الأميركيين الأصغر سناً أقل دعماً للتدخلات العسكرية الخارجية، وسيشكلون هم أيضاً جزءاً كبيراً من القاعدة السياسية لبايدن. ويرغب بايدن، من جانبه، في إعادة التأكيد على الدور القيادي الأميركي؛ لكنه سيتعين عليه مواجهة كثير من المجموعات التي تطالب بتمويل من ميزانية محدودة.

ورغم ما سبق، سيستمر اهتمام الأميركيين بالسياسات الخارجية. وأظهر استطلاع أجراه معهد «بيو» أن الأميركيين لا يزالون يشعرون بالقلق إزاء الإرهاب، وستستمر واشنطن في عمليات صغيرة لمكافحة الإرهاب في سوريا والعراق، حتى تصبح باهظة التكلفة. ولن تكون هناك حروب جديدة من أجل بناء الديمقراطية في بلاد أجنبية أو تدخلات عسكرية أميركية انفرادية في دول أجنبية لحماية مدنيين، مثل ليبيا، من دون توفر خطة خروج سريع. وليس من قبيل المصادفة أن ترمب تجنب الدخول في صراع عسكري مع إيران.

من ناحيته، توقع البروفسور بجامعة «هارفارد»، ستيفين والت، أنه خلال السنوات القادمة سيتحتم على واشنطن الحد من وجودها العسكري في أوروبا والشرق الأوسط من أجل ترشيد النفقات. وبذلك، ستتحمل الدول الإقليمية مسؤولية أكبر عن أمنها، وهي فكرة كان الرئيس أوباما أول من ذكرها. وستركز واشنطن اهتمامها بدرجة أكبر على تحالفات عسكرية في آسيا، من أجل تحقيق توازن أمام قوة الصين. وستكون هناك منافسة مع الصين؛ لكن أحداً في واشنطن لا يرغب في اشتعال حرب عسكرية. باختصار: إن الاقتصاد الضعيف والانقسامات الداخلية ستجعل المغامرات الأجنبية أكثر صعوبة أمام الرئيس القادم، بغض النظر عما إذا كان ذلك الرئيس بايدن أو ترمب.