آراء ودراسات

دروس أولية للوباء: “تصحيح” السياسات بأنسنتها

بقلم: عبدالوهاب بدرخان

نهاية الفيروس، متى؟ سؤال ثلاثة مليارات انسان ملتزمين #خلّيك_بالبيت، ولا إجابة عنه. دراسة “إم آي تي” تعوّل على تراجعه لا على اختفائه بحلول الصيف وارتفاع الحرارة، مع الإشارة الى أن مواعيده متفاوتة وليست مضبوطةً بروزنامة دولية موحّدة، وإذا صحّ التوقّع فإن الصيف سيخدم المَوَاطن التي تشهد غزواً معتدلاً نسبياً من الفيروس أكثر مما سيرأف ببؤره الأميركية والأوروبية الراهنة، بعد تقدّمها على الصين كمنشأ وموطن متعارف عليهما لـ “سلالة كورونا”. أكثر ما تعلّمه العالم في الأسابيع المنصرمة هو عدم اليقين، وتساوي انعدام الثقة في الحكومات كما في الأرقام، فـ “العدو” ليس كائناً يمكن “التفاوض” معه، متساوياً بذلك مع الفيروس الآخر – “داعش” في كونهما لا يتقنان سوى صناعة الموت، ولا سبيل معهما سوى القضاء عليهما.

حتى الآن لم يقتل “كورونا” مقدار ما قتل “داعش”، لكن بعض التقديرات الحسابية يعطي أرقاماً مرعبة للضحايا، بعضٌ منها مليوني أو أكثر. استطاع “داعش” أن يربك حكومات ويخيف شعوباً خارج بؤرة سيطرته لفترة تقرب من عامين، واستلزم إضعافه تحالفاً دولياً وقبولاً ضمنياً بقواعد اشتباك تجيز عملياً نهج الإبادة، أما الفيروس فبلبل الحياة الدولية الى حدّ لم تبلغه سابقاً أي دولة كبرى، وقد تعذّر نشوء أي تحالف حتى الآن رغم أن الوباء اجتاح كل الدول، لكنه دهم العالم وهو في ذروة الانقسامات السياسية والتأزّمات الاقتصادية. وكما يقال عن الكائن الإرهابي إنه لا يزال يقتل لأن له فلولاً وجيوباً، كذلك سيقال عن “كوفيد 19” أنه سيكمن وربما يعاود الظهور بقوّة حيثما تتوفّر له ولن يضعف أو يتراجع بشكل ملموس إلا بعد ظهور اللقاح وتصنيعه وتوزيعه، وفيما يتعجّل العالم هذه العمليات ليس واضحاً كيف ستتمرحل زمنياً.

هذه المقارنة بين الكائنين الفيروسي والارهابي قد تكون مبالِغة ولا داعي للإطالة فيها، لكن المفكّرين – وقد مسّت الحاجة إليهم هذه الأيام لتفسير حال العالم – باتوا يضعون جائحة “كورونا” جنباً الى جنب مع/ أو يعتبرونها الإضافة المستجِدّة الى كل المخاطر المميتة التي تشهدها الإنسانية: من الأسلحة النووية الى انفلات التعصّبات، ومن الحروب الأهليّة المدوّلة الى الاختلالات الاقتصادية وأزمة المناخ. بل إن الوباء والتعصّب الارهابي يبدوان أسوأها، إذ لا يخضعان لأي ضوابط أو قواعد، وإذا كان متفقاً على أن الإرهاب نتاجٌ لاحضاري فإن الوباء بات يُقدَّم على أنه نتاج عولمي أي “حضاري” بمعنىً ما. وهذا مجرّد جانب لا يزال مشوّشاً مما يفكّر من تحوّلات “ما بعد كورونا”.

ماذا يُفهم من الإجراءات الدولية المتخذة في مواجهة الوباء؟ أمران: الأول، أنه لن يفارق حياة البشرية قريباً. والآخر، أن التعايش معه يفرض نفسه شيئاً فشيئاً. لن يفارق، أي أنه ككل الفيروسات يمكث وبما أنه انتشر بفعل جهل أولي لطبيعته والتقليل من احتمالات عدواه. أما التعايش معه فلا يعني قبولاً طوعياً أو قسرياً لقوافل المتوفين لكنه استوجب تدخلاً سلطوياً حاسماً لفرض حجر منزلي غير معهود بغية إيصاله الى ذروته اصاباتٍ ووفياتٍ، على أمل أن تُستأنف الحياة نصف/ أو شبه الطبيعية في أقرب الآجال وفي انتظار اللقاح الذي سيجعل من “كوفيد 19” لاحقاً عضواً جديداً في كوكتيل الانفلونزات الكامنة التي لا تزال تفتك بعشرات الألوف سنوياً.

من يقرأ جيدا البيان الختامي لمجموعة الـ 20 بعد قمّتها الافتراضية لا بد أن يخرج بهذا الاستنتاج، فهذه الدول مدركة من جهة أن إزالة خطر الفيروس ليست في متناولها لكنها قرّرت دعم كل ما ومَن يساهم في وقفه، وهي معنيّة في المقابل بتسخير إمكاناتها لإحباط تداعياته على الاقتصاد والتجارة وإلا فإن الفيروس سيستكمل اجهازه على حياة البشرية برمّتها. وإذ كان “الانسان أولاً” شعار هذه القمّة و”حماية الأرواح والحفاظ على الوظائف” من أبرز عناوينه، فإنه شكّل صدىً للهواجس المحتدمة اجتماعياً، وللنقاشات في البيوت المغلقة والمواقع المفتوحة، وكلّها يتمحور على الانسان ومصيره. هل جاءت توصيات القمة كافية ومطمئنة؟ الأرجح أنها قدّمت تشخيصاً أولياً لكارثة لم يظهر معالمها كاملة بعد، ولذلك فإن الرؤية الشاملة لاستجابة الدول الـ 20 قد تتبلور أكثر خلال المتابعة. كانت معاناة اللاجئين والمهجرين تستحق تسليطاً أكبر للضوء، وكان يُفترض التركيز على وقف الصراعات المسلحة لأن يستكمل من جهة نيات المعالجة الشاملة للأزمة ويمنع من جهة أخرى انفلات المتقاتلين في استغلال ظروف الوباء.

الأمر الآخر الذي يبدي العالم أنه تعلّمه يحتاج الى وقت كي يتأكّد. انه “الإنسانية” وإعادة الاعتبار لها في المجالات التي ثبت اختلالها بسبب نأيها عن البعد الإنساني، لا سيما السياسة والاقتصاد. بيل غيتس يرى في الفيروس الهائج “مصحِّحاً عظيماً” لـ “أخطائنا” أكثر مما هو “كارثة كبرى” مشيراً الى أخلاقيات يفترض أن المحنة استعادتها أو يجب أن تستعيدها بمزيد من الأنسنة واحترام الطبيعة. لكن فكرة “التصحيح” تكاد تكون نقطة تقاطع بين غيتس والمنظّر ديفيد أيك الآتيين من منطلقات متناقضة تماماً، إذ يذهب أيك في نظرية المؤامرة الى حدّ اعتبار أن الأقلية التي تتحكم بالعالم تتهيّأ للاستفادة من أزمة الفيروس بتصحيح أوضاع تحكّمها بالسياسة والثروة. في حين أن ادغار موران يأمل بتغييرات تساعد الإنسانية على إعادة تخليق ذاتها لتصحيح “القيم التي كنا نعيشها قبل قدوم الفيروس”. وبكلام آخر، يتعذّر معالجة أزمة “كورونا” وتبعاتها من دون تغيير السياسات، أي من دون اخماد توحش المنافسات على الثروة والسيطرة. هل هذا تغيير متوقّع؟! لعل الخشية من تصاعد المطالبة بـ “الإنسانية المصحّحة” تفسّر أسباب تعجّل الرئيسين الأميركي والصيني لإعلان نهاية الوباء.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر وكالة الأنباء الكوردية.