آراء ودراسات

خريطة فرنسية تُثبت الكورد يشكّلون الغالبية العُظمى من سكان الجزيرة قبل ترسيم الحدود

بقلم: سيامند حاجو

منذ نشوء سوريا بعد الحرب العالمية الثانية عام 1918، يستمر الجدل حول المناطق الكوردية في سوريا. هذا الجدل لم يطَل عفرين وكوباني كغيرها من المناطق، ولم يتم إنكار كورديّتهما بشكل عام.

على الرغّم من أنّ نسبة الكورد من السكان في الجزيرة لم تقلّ عن نسبتهم من السكان في عفرين وكوباني، يُنكر البعثيّون والقوميون العرب وجزء كبير من المعارضة السورية حقيقة أنّ الغالبية العظمى من السكّان في الجزيرة كورد. وأسباب الإنكار متعددة، أولها سياسي وثانيها إقتصادي، والسبب الآخر موقع الجزيرة الإستراتيجي.

السبب السياسي، منذ عشرينات القرن التاسع عشر، أصبحت الجزيرة قاعدة ومنطلق الحركة السياسية القومية الكوردية. السبب الإقتصادي، الجزيرة هي منطقة الإنتاج الزراعي الأكبر في سوريا، ونسبة النفط الأكبر في سوريا تتواجد في الجزيرة.

السبب الإستراتيجي، تتصل الجزيرة مع كوردستان العراق وكوردستان تركيا، على الحدود السورية – العراقية، والحدود السورية – التركية، وكان هذا السبب الرئيسي الذي دفع محمد طلب هلال إلى التركيز على منطقة الجزيرة، والدفع باتّجاه التخطيط لتنفيذ مشروع الحزام العربي في كور دستان سوريا. يُشير هلال في كتابه أنّ غالبية الكورد في الجزيرة قدموا من تركيا إلى سوريا، بعد ثورة الشيخ سعيد في تركيا عام 1925، وعدد آخر من الثورات والإنتفاضات الكوردية التي تلتها في تركيا. خالد بكداش، السكرتير العام للحزب الشيوعي، في مذكّرته التي رفعها إلى الحكومة السورية ووزارة الشؤون الخارجية الفرنسية تحت عنوان (ماذا في الجزيرة؟) والتي صدر كتاب عنها عام 1937، كتبَ: “اما السكان: فاكثريتهم من السكان الأصليين وهم – على الغالب – من العرب الرحل، وبعد انتهاء العهد العثماني، اي بعد انتهاء الحرب، ومنذ ابتداء الاحتلال الفرنسي، اخذت تدخل في الجزيرة بصورة مستمرة تقريباً عناصر جديدة مثل الارمن والسريان والاكراد النازحين عن تركيا كما امها اخيرا بضعة آلاف من الآشوريين النازحين عن العراق”. من الصفحة (11). وحتى يومنا هذا، يتبنّى جزء كبير من المعارضة السورية هذه النظّرية، وينكرون كوردية الجزيرة، وأثناء النقاشات يركّزون على أنّ غالبية السكّان في الجزيرة لم يكونوا من الكورد وقت ترسيم الحدود، ويصل الأمر ببعض منهم إلى حد إنكار وجود الكورد في تلك الفترة.

لذا، من المهم النظّر والتحقق من تاريخ تحديد منطقة الجزيرة بشكل نهائي. نعلم جميعاً أن دولة باسم سوريا لم تكن موجودة قبل الحرب العالمية الأولى، في مؤتمر سان ريمو الذّي عُقد من 19 وحتى 26 نيسان من عام 1920، تمّ اتّخاذ قرارٍ بانتداب سوريا من قبل فرنسا، وأصبحت اتفاقيّة سان ريمو قاعدة لمحادثات السلام مع تُركيا في سيفر في شهر آب من العام نفسه. وفي سيفر، نصّت المعاهدة على ترسيم الحدود التي تفصل بين تُركيا وسوريا.

وبحسب المعاهدة كانت عدد من المُدن كمدينة أورفا وماردين ونصيبين وجزيرة بوطان تتبع للجزيرة (سوريا)، إلّا أنّ تركيا لم تسحب قواتها العسكرية من هذه المناطق، ورفضت ترسيم الحدود بهذا الشكّل، لذا توصّلت لاحقاً فرنسا وتركيا إلى صيغة اتّفاق آخر بتاريخ 20 تشرين الأول من عام 1921 في أنقرة، وتنازلت فرنسا بموجب اتّفاق أنقرة عن أورفا وماردين وجزيرة بوطان وغازي عنتاب لصالح تركيا. يجب الإشارة إلى أنّ القوات الفرنسية بدأت بالإنتشار والتمركز في الجزيرة في كلّ من الحسكة وسرى كانيى شهر آذار من عام 1922، ومن ثمّ نشرت قواتها على مراحل باتّجاه الشرق. وعلى الرّغم من اتّفاق أنقرة، أرادت تركيا مدّ حدودها باتّجاه الجنوب، وأرادت ضمّ الحسكة أيضاً، وبسبب ذلك نشبت العديد من المناوشات العسكرية بين القوات الفرنسية والقوات التركية في مواقع مختلفة. ومن أجل وضع حد لهذه الخلافات وإيجاد حلّ نهائي، شكلّت الحكومة الفرنسية والحكومة التركية لجنة مشتركة لترسيم الحدود. وفي 22 حزيران من عام 1929، توصّلت هذه اللجنة إلى بروتوكول أنقرة والذي تمّ توقيعه من قبل السفير الفرنسي في أنقرة ووزير الخارجية التركي حينها، وتم بموجب البروتوكول ترسيم الحدود النهائية لمنطقة الجزيرة بشكلها الحالي.

ذَكرتُ التفاصيل السابقة لأن العديد من المؤرخين والسياسيين يعتقدون أن الحدود النهائية للجزيرة تم ترسيمها بموجب اتّفاقية سيفر التي تمت عام 1920، لكن في الواقع و الحقيقة، تمّ ترسيم الحدود النهائية للجزيرة بموجب بروتوكول أنقرة عام 1929.

في الأيام القادمة من المهم العمل على بيان حقيقة كورديّة الجزيرة، ووضع حد للجدل القائم مع القوميين العرب وجزء كبير من المعارضة السورية وغيرهم من الذّين ينكرون تلك الحقيقة ويتبنّون نظرية عدم وجود الكورد في الجزيرة قبل ترسيم الحدود النهائية للجزيرة. كما أنّ هذه النقاط سيتم بالتأكيد نقاشها مستقبلاً من قبل اللجنة الدستورية السورية، وبالتأكيد لن يكون هذا النقاش سهلاً لأيّ أحد. اليوم، أودّ دحض نظرية القوميين العرب والجزء الكبير من المعارضة السورية والمساهمة في إثبات وجود الكورد في الجزيرة قبل نشوء سوريا بشكلها الحالي، وذلك بنشر خريطة توزّع ومناطق وجود العشائر الذّين يقطنون في الجزيرة في كوردستان سوريا على الحدود السورية – التركية. هذه الخريطة توجد في مجلّد عام 1924، وتحمل الرقم (S-L: C.P 569) في الأرشيف الوطني الفرنسي في مدينة نانت. القوات الفرنسية كانت متمركزة ومنتشرة في دير الزور منذ شهر حزيران من عام 1921، ومن ثم بدأت بالتمركز والإنتشار في الجزيرة شهر آذار عام 1922، كما أشرت سابقاً، ومن المؤكّد أن هذه الخريطة تمّ إعدادها ورسمها قبل انتشار القوات الفرنسية في الجزيرة. الخريطة موجودة في مجلد العام 1924، وحتى وإن تمّ رسمها في العام نفسه، فإن توزّع العشائر بحسب الخريطة يُثبت وجودها في تلك المناطق منذ زمن. يتبيّن في الخريطة وجود أحد عشر عشيرة كوردية من أصل أربعة عشر عشيرة موجودة على الحدود السورية – التركية، من الحدود الشرقية مع العراق إلى رأس العين غرباً، يذكر أن عشيرة شيشانية أيضاً من العشائر الأربع عشر تتواجد في سرى كانيى. أمّا العشيرتان الأخريتان فهما عشيرة الطي، وعشيرة حرب الصغيرة وقليلة العدد بالنسبة للعشائر الأخرى. لم أتمكّن من معرفة عدد أفراد وعائلات العشائر في العشرينيات من القرن التاسع عشر في الجزيرة، ولم أجد معلومات دقيقة عن الأعداد في الأرشيف الوطني الفرنسي. لكن في أرشيف الدومينيكان في باريس (Saulchoir) وبرقم الملف  IV Djezireh, 45, Dossier 45, Historie de la Haske، تبيّن الوثائق عدد أفراد وقرى تسعة من العشائر الكوردية الأحد عشر الوارد اسمائها في الخرائط، بالإضافة إلى عدد أفراد وقرى العشيرتين العربيتين، لكن بيانات العشيرة الشيشانية غير موجودة في هذا الملف، بحسب إحصائية أجريت عام 1940. كما ورد تعداد مجموعة أخرى من العشائر في وثيقة الدومينيكان، مثل عشيرة هفيركا الكوردية، لكنّني لن أدرج تعدادها في الإحصائيات، كون عشيرة هفيركا قدمت إلى منطقة الجزيرة عام 1926. بحسب هذه الإحصائية، عدد قرى العشائر الكوردية التسع المذكورة بلغ 509 قرية، وبلغ عدد أفرادها 43.355 نسمة. وبلغ عدد قرى العشيرتين العربيتين 117 قرية (14 قرية لعشيرة حرب، و103 قرية لعشيرة طي)، وبلغ عدد أفرادها 8.630 نسمة (1580 نسمة حرب، 7050 نسمة طي).

في التسعين عاما الأخيرة، حصلت العديد من التغييرات الديمغرافية في الجزيرة، جزء منها بسبب برامج سياسية، وبعضها تغييرات ديمغرافية طبيعية. ويجب أخذ هذه الحقائق بعين الإعتبار من أجل مستقبل سوريا، ويجب ضمان الحقوق السياسية لجميع مكوّنات الجزيرة الحاليين بكوردهم وعربهم وسريانهم الآشوريين بشكل متساوٍ ودون تمييز. ويجب التأكّد من أنّ حقوق الأغلبية من السكان لن تفوق حقوق غيرها من المجموعات التي لا تشكّل الأغلبية، بل يجب أن تتحمل الأغلبيّة مسؤولية أكبر، وتضمن حقوق المجموعات الأصغر وتحميها وتلتزم باحترام خصوصيتها.

أُعدّد لكم هنا أسماء العشائر وأسماء قادتها من الشرق إلى الغرب كما ورد في الخريطة، وربّما وردت اختلافات بسيطة في لفظ اسم العشائر أثناء النسخ من الكوردية والعربية إلى الفرنسية. هذه العشائر كانت متواجدة في الجزيرة عام 1924 وقبلها.

1-   ميران، نايف بن موسى باشا

2-   عباسا، محمود الأحمد

3-   أرسينان، (لم يرد اسم قائد العشيرة)

4-   آليان، عبدي المرعي

5-   تشيتي، سليمان عباس و أحمد اليوسف

6-   طي، محمد عبد الرحمن

7-   بينار علي، طاهر آغا

8-   ميرسيني، عبدى آغا الخلو

  1. دقوري، سعيد آغا

10- ملّي، ابراهيم آغا

11- كيكي، درويش آغا و محمود آغا

12- حرب، أحمد العبيد

13- ملّي، أبناء ابراهيم باشا (محمود بك)

14- ججّان، سليمان بك

ترجمة ألماني – عربي: آري حسّو