آراء ودراسات

الكاظمي بداية تغيير في العراق… لكن حذارِ من إيران!

بقلم: عبدالوهاب بدرخان

الحاصل في العراق ليس انقلاباً بل بداية تغيير يؤمل بأن يستمر ليتظّهر معه الوجه الجديد للبلد كما يتمناه أهله لا كما يريده الآخرون. مع الاحتلال الأميركي، غداة سقوط نظام صدام حسين، غُيّب العراق. ومع الهيمنة وشبه الاحتلال الإيرانيين، غداة الانسحاب الأميركي، ثم الانتشار “الداعشي”، لم يعد هناك عراق. ومع حيدر العبادي رئيساً للحكومة، الآتي من صفوف “حزب الدعوة”، بزغت ملامح تغيير، في اللهجة والمقاربات السياسية وفي القرارات الأمنية، حين كانت الأولوية لمحاربة “داعش” وإنهاء سيطرته، وقبيل انتخابات 2018 وبعدها انبثق من النقاش العام خطاب يركّز على أولويات داخلية، وإذ وُصف هذا الخطاب بـ “العراقي” واعتُبر متأثّراً بنهج العبادي الذي كان يُفترض أن يكمل بحكومة جديدة إلا أن “الفيتو” الإيراني وضع حدّاً لمساره. لم يُنصف الرجل في البيئة الشيعية الموالية لإيران، ولا طبعاً في كردستان العراق الذي صنّفه معادياً بسبب رفضه استفتاء 2017 على استقلال الإقليم.

في جوانب كثيرة ينتمي مصطفى الكاظمي إلى النهج السياسي للعبادي الذي عيّنه في أيلول (سبتمبر) 2016 رئيساً لجهاز المخابرات، ويُتوقَّع أن يذهب أبعد، لا لأنه يريد تصفية حسابات مبيّتة بل لأنه يريد أن يفعل ما يراه صحيحاً للعراق. إذ تبقى “عراقيته” هي الغالبة على شخصيته وتفكيره، لكنها واقعية لا شوفينية فظّة ولا شعبوية جوفاء ولا قومية عربية بالية. لم ينتمِ الكاظمي الى أي حزب، وليس سرّاً أنه كان ولا يزال قريباً من الولايات المتحدة، بل ربما لأنه كذلك لم يرَ مانعاً خلال تجربته الاستخبارية من العمل مع الأطراف جميعاً بما فيها تلك الموالية لإيران، والأرجح أنه لا يعترف في تجربته الحكومية بحواجز تحول دون العمل مع أيٍّ طرف عراقي تحت السقوف التي حدّدها منذ لحظة تكليفه: استعادة السيادة، استعادة الدولة وشرعيتها، إعادة الاعتبار لسلطة القانون، حظر السلاح خارج إطار الدولة.

لا يمكن أي عراقي “وطني” أن يرفض هذه البديهيات، شرط أن يوجد الوطنيون في الوسط المهيمن على الساحة السياسية. توصّل الكاظمي الى هذه الخلاصات/ الأهداف خلال عمله في الجهاز، إذ عايش عن كثب مرارات “الحرب على داعش” والآمال السياسية والاقتصادية التي بُنيت لما بعد انتهائها، ولمس مباشرة مخاطر الصراع الأميركي – الإيراني على الساحة العراقية. الفارق بينه وبين سلفه البائس عادل عبد المهدي أن الأخير رفض أيضاً ذلك الصراع الدولي لكنه محاباته للهيمنة والأجندة الإيرانيتين كانت واضحة، بل ان الفارق بين الكاظمي وسلفَيه نوري المالكي وعبد المهدي أن هذَين لم يعتبرا نفسيهما معنيَين بإنهاض الدولة العراقية بل بالخضوع للعقيدة التي تضع ارادة الولي الفقيه والدولة الإيرانية فوق أي اعتبار آخر.

كان الكاظمي يتوقّع ما شهده العراق أخيراً من غضب شعبي تفجّر خصوصاً في الشارع الشيعي، كما كان يدرك عمق مطالبة الانتفاضة الشعبية بإسقاط منظومة الحكم وفسادها (وهو رفض تتشاركه الفئات كافةً). ومع أن اسمه طُرح مراراً لرئاسة الحكومة، إذ رُشّح حين استبعده الإيرانيون لمصلحة عبد المهدي، واستبعدوه ثانية بعد استقالة عبد المهدي، أولاً لأنه في نظرهم “رجل اميركا” ثم لاتهامه بدور في اغتيال قاسم سليماني، الى أن اضطرّوا أخيراً الى قبوله بعدما أدركوا أن الفشل في تأمين اجماع شيعي على أيٍّ من مرشّحيهم الآخرين بات يراكم خسائر سياسية لم يشهدوا لها مثيلاً في السابق.

لم يأتِ الكاظمي وفقاً لـ “صفقة” غير مباشرة بين الولايات المتحدة إيران. لم تسعَ أيٌّ منهما الى هذه اللعبة، فإدارة ترامب غير إدارة أوباما، ثم أن اختيار الكاظمي حُسم ايرانياً وشكّل ميلاً الى التهدئة لحظة كانت درجة التوتّر عالية بين القوات الأميركية وميليشيات “الحشد الشعبي”، ولا يزال هناك بين الفصائل مَن يهاجمه. قبل ذلك، وبين جميع مَن طرحت أسماؤهم للمنصب، كان الكاظمي الأكثر قبولاً من جانب أطراف الحراك الشعبي، مع بعض الاستثناءات. وما عزّز موقعه أن تيار المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني أيده ويلتقي معه على إعادة الاعتبار للدولة وقواتها المسلحة. وكان أحد أهم المؤشّرات انسحاب أربعة فصائل مرتبطة بالمرجعية من “الحشد” والتحاقها بالقوات المسلحة، تطبيقاً للقانون الذي يؤطّر “الحشد”، ما شكّل حذواً يفترض أن تحذوه مختلف الفصائل المعروفة بولائها لإيران.

في أي حال، كان الشائع أن هذه الفصائل فقدت مبرّر وجودها منذ انتهاء “الحرب على داعش”، ولم يكن السؤال هل يجب أن تُحَلّ بل كيف ومتى، وكثرت التوقّعات بحدوث اقتتال داخلي في ما بينها. وعندما اندلعت الانتفاضة الشعبية استشعر “الحشد” تهديداً مباشراً له بمقدار ما وجد أيضاً فرصة للمشاركة في القمع وتأكيد سطوته، وقد نُسبت أعمال القتل والخطف والتنكيل الى فصيل “مجهول” استُحدث من بين الفصائل. لكن الجرائم المرتكبة ضد الانتفاضة ساهمت في تعرية “الحشد”، الذي بات مصيره مرسوماً وتأكّد ذلك مع تكليف الكاظمي وتشكيل حكومته والقرارات الأولى التي اتخذتها، ومنها خصوصاً إعادة عبدالوهاب الساعدي على رأس جهاز مكافحة الإرهاب (كان عبد المهدي أقاله بضغط إيراني و”حشدي”)، فضلاً عن اطلاق جميع معتقلي الحراك وفتح تحقيق في الممارسات التي أساءت للمتظاهرين والمحتجّين.

بالطبع لم تكن الحكومة الجديدة هي التي يطمح اليها الكاظمي، وقد حرمه تآمر الأحزاب في اللحظة الأخيرة من الوزراء الذين أرادهم أن يكونوا فريقه و”حصّته”، لكنه يحاول استبدالهم بآخرين يثق بهم. نعم كانت هناك “محاصصة” وإنْ جاءت “منقّحة”، ولم يكن متوقّعاً التخلّص منها إذا كان للحكومة أن تنال ثقة البرلمان، غير أن إرضاء الأحزاب والكتل بالحقائب يجب ألا يعني تمكينها، كالعادة، من إلتهام ميزانيات الوزارات، وهو الوجه “الرسمي” المموّه للفساد. لا شك أن الدولة، كما تسلّمها الكاظمي، تحتاج الى عملية “تنظيف” واسعة للإدارة التي نخرتها الأحزاب الموالية لإيران لإقامة مراكز نفوذها فيها لا لتطوير كفاءتها. والرهان معقود الآن على اسراع الحكومة في التحضير للانتخابات المبكّرة، وفقاً لقانون جديد يصحّح التمثيل ويمكّن قوى حراكية معنيّة بالإصلاح من الوصول الى البرلمان.

هذه ليست سوى بداية في العراق، مجرّد خطوة كان لا بدّ منها بعد ثلاثة عشر عاماً من فوضى سياسية وأمنية ومالية اتاحتها سلطة الاحتلال الأميركي وما لبثت سلطة الهيمنة الإيرانية أن استفادت منها. عدا الإعداد للانتخابات المبكرة سيكون المحك الأهمّ لمرحلة الكاظمي في الاقتصاد والأمن، لكن قدرته على بثّ الثقة بين الدولة والمجتمع ستكون عاملاً حاسماً في تمكينه من رسم حدود العلاقة مع الولايات المتحدة وإيران، فالأولى مدعوّة الى اللعب النظيف مع رئيس الحكومة والثانية الى تغيير جذري في مقاربتها للعراق فكلّما خفّضت سقف أطماعها كلما ضمنت أن يبقى لها شيء من النفوذ في هذا البلد.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر وكالة الأنباء الكوردية.